بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرة -ابن الاثني عشر ربيعا- طفل من فلسطين المغتالة، لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، ولم يقمط عند مولده بالحرير والديباج، فأبوه –جمال الدرة- عامل بناء بسيط، يحرص على رزق يومه ليعول أسرته الكبيرة.
سقط الطفل محمد برصاص الغدر الصهيوني، أما أبوه –وقد حاول أن يحميه بجسده- فقد سكن جسمه ثماني رصاصات إصابته بالشلل التام.
وكان استشهاد هذا الطفل الطاهر البريء شرارة أيقظت الضمائر النائمة، وبعثت النبض في القلوب الخامدة، وأجرت في عروق أطفال العرب همة ملتهبة، وفتحت عقولهم لوعي جديد، فرأينا في المدن المصرية أطفال المرحلة الابتدائية يهبون في تظاهرات لا تنقطع، وهم يهتفون "خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود"
و"كلنا درة، كلنا درة، مش حننام أبدا بالمرة" و"كلنا درة، حنخلي عيشتهم مرة"
ولا ينسى المجتمع المصري قصة طفل مصري –في سن الدرة- هو التلميذ احمد محمد سعيد الذي ترك أسرته، وادر القاهرة ميمما شطر غزة ليشارك أطفال الانتفاضة جهادهم، ويأخذ بثأر احمد الدرة، لم يكن يعرف احمد الطريق، فسافر من القاهرة إلى الإسكندرية، وقضى ليلته في المحطة قبل أن يغادر إلى الإسكندرية إلى العريش، ووصل إلى رفح، وتحمل الجوع والتعب ما يجهد الرجال، وحاول الوصول إلى غزة، فلم يتمكن، وأعاده رجال الأمن إلى أهله بالقاهرة، وعيناه تفيضان بالدموع، وقلبه يتدفق بالحزن، لأنه لم يكمل المشوار، ولم يحقق الهدف الذي خرج من اجله.
انه مثل واحد يدل على هذه الروح الجديدة التي بدأت تنبعث وتتوهج في كيان هذه الأمة .
والعالم كله يعلم أن إسرائيل قتلت –وما زالت تقتل- كثيرين من الأطفال والشيوخ والنساء، حتى أصبح قتل طفل عملا إجراميا يوميا في سيناريو العدوان الوحشي الإسرائيلي .
فلماذا كان قتل محمد الدرة أكثر إثارة وتأثيرا، لا على المستوى العربي والإسلامي فحسب، ولكن على المستوى العالمي كله ؟
اعتقد أن قوة الإثارة والتأثير التي عكسها هذا الحدث الإجرامي ترجع إلى سببين أساسيين هما :
1- أن هذا الطفل المسكين لم يكن في الأطفال الذين يرمون الجنود الإسرائيليين
بالحجارة، حتى يقال: قتل عقابا على ما فعل، ولكنه –كما تثبت الصور- كان يطلب الأمان والحماية، والوصول إلى بر السلامة، فاحتمى بأبيه الذي يلوذ بحائط إسمنتي صغير، وبرميل حديدي، ويحاول الأب أن يجعل من جسمه ساترا آخر يقي ابنه الرصاص .
2- التغطية التصويرية الحية الكاملة من البداية للنهاية :
- الأب والابن يحتميان بالحائط الصغير والبرميل الحديدي، وهما يجلسان على الأرض متجاورين ملتصقين، والطفل يحاول أن يدفن رأسه بين ركبتيه، وقد جلس في هيئة احتباء .
-الأب يرفع يده مستغيثا، ومتوسلا للجنود الإسرائيليين ألا يطلقوا عليهما الرصاص من أعلى .
- الصرخات والاستغاثات تدوي في الهواء أمام صرخات الرصاص وزئير الانفجارات، وانتشار الدخان .
- الطفل يزداد التصاقه وتشبثه بجنب أبيه الجريح وظهره، وجزء من قميصه، والفزع يكاد يمزق وجهه وعينيه
- استغاثات الأب الجريح تزداد مع تدفق الدم من جراحه...بلا جدوى .
- الرصاصات القاتلة الغادرة تصيب الطفل، وترديه فيهوي بنصفه الأعلى على الفخذ اليمنى لأبيه، وقد انكفأ بوجهه المفزوع على كفيه .
- الأب يميل برأسه إلى اليمين – بعد أن فارق ابنه الحياة، وأصيب هو بعدة رصاصات، وبدا رأسه يميل قليلا إلى أسفل، كزهرة عباد شمس ذابلة شاحبة، فوق رقبته النحيلة المعروفة، وقد زم شفتيه بصمت مستسلم رهيب، كأنه يخشى أن يئن أو يتوجع فيقلق ولده وهو في نومته الأبدية، وكانت آخر كلماته المفزوعة لأبيه "لو بتحب ربنا احميني يابا" .
إن شاء الله تعجبكم القصة